حبيب الله الهاشمي الخوئي

49

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

على أصناف مختلفة وأنواع متكثّرة وهيئات عجيبة وأوصاف بديعة ( من حيوان وموات وساكن وذى حركات ) أي بعضها ذو حيات كأصناف الملائكة والحيوان والجنّ والانس ، وبعضها ذو ممات كالشّجر والجماد والنّبات وغيرها ممّا ليس لها حياة ، وبعضها متّصفة بالسكون كالأرض والجبال ، وبعضها متّصفة بالحركة الاراديّة كالانسان والحيوان ونحوهما ، أو طبيعيّة كالماء والنّار والكواكب والأفلاك . ( وأقام من شواهد البيّنات على لطيف صنعته وعظيم قدرته ما ) أي شاهد صدق وبرهان حتّى ( انقادت له ) أي لذلك الشّاهد ( العقول معترفة به ) أي بهذا الشّاهد أو باللَّه سبحانه ( ومسلَّمة له ) غير جاحدة لحقيّته ( ونعقت ) أي صاحت ( في أسماعنا دلائله ) سبحانه ( على وحدانيّته ) قال الشّارح البحراني استعار لفظ النّعيق في الأسماع لظهور تلك الدّلائل في صماخ العقل ( وما ذرأ ) أي أقام من شواهد البيّنات أو نعقت دلائل ما ذرئه وخلقه ( من اختلاف صور الأطيار الَّتي أسكنها أخاديد الأرض ) كالقطا ونحوه ممّا يسكن الشّقوق في الأرض ( وخروق فجاجها ) كالقبج وشبهه ممّا يسكن الفجاج أي الطرق الواسعة بين الجبلين ( ورواسى أعلامها ) كالعقبان والصّقور تأوى في الجبال الرّاسيات أي الثّابتات المستقرّات ( من ذوات أجنحة مختلفة وهيئات متباينة ) فهذا غراب ، وهذا عقاب ، وهذا حمام ، وهذا نعام خلقها اللَّه سبحانه على أشكال مختلفة وطبايع متضادّة . ولكنّها كلَّها على تباين طبائعها وتضادّ أجناسها مقهورة تحت ذلّ القدرة مشدودة بربق الطَّاعة ( مصرّفة ) ومتقلَّبة ( في زمام التسخير ) كما قال عزّ من قائل : * ( أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) * . قال الرّازي : هذا دليل على كمال قدرة اللَّه وحكمته : فانّه لولا أنّه تعالى خلق الطَّير خلقة معها يمكنه الطَّيران فيها لما أمكن ذلك ، فانّه أعطى الطَّير جناحا يبسطه مرّة ويكسره أخرى ، مثل ما يعمل السّابح في الماء ، وخلق الهواء خلقة